نحو مكة

قافلة الأنصار برير السادة

فرصة رائعة تلك الرحلة التي جمعتنا بالاصدقاء نحو مكة المكرمة, نمتطي الحافلة مساء, تمخر بنا الصحراء والفيافي متسامرين, نقطع الطريق بالحديث والفكاهة, نترجل في السيل الكبير, ننزع المخيط ونغتسل من الكسل والتعب والعلائق الدنيوية, ونقطع الارتباط بها, نرتدي الاحرام ونستعد للانتقال من عالم الى اخر, انها صورة من صور الانتقال الاخروي..

نتمتم بالافكار نقراء النية ونشرع في التلبية, تختلط الدعوات بالآمال, رجاء عميق ان تتحقق... وعند البيت تهتز القلوب, وترتعش الاجسام من شدة البهاء والتجلي.. وتبداء رحلة البحث عن الرحمة والاستغفار«الطواف والسعي» اطوف ببيتك طارقا باب رحمتك فالى من تكلني , واسعى بين الخوف والرجاء فاين تزم رحمتك واحسانك لي؟؟؟

فجاة تبرق الافكار كعادتها, المانع بيني وبين اللة العلائق الدنيوية.. هكذا تنتقل الافكار والمعاني عبر الاجسام الى الارواح... التخلي من علائق الجسد شرط لعرشة الارواح وبلوغها ذروة اللذة.. والانكشاف الكبير والحقيقي وتعريض الجسد للنور المنبعث من كبد السماء...انها لذة التعري والاعتراف امام الذات...

وفي الطريق من بيت الارواح الساكنه والنفوس المطمئنة «بيت الله» الى السكن «مئوى الاجسام», يكمن الشيطان يبعث في النفوس الشكوى يملائها بالتعب والنصب, يحثها على الركون للنوم والاكل...تتوقد شرارة الجوع.. ينتفض الجسد النائم.. يتوقف امام محل بيع التمر.. يتسائل عن الانواع والاسعار.. يخسر لعبة البيع والشراء فقد اشترا الحصى عوضا عن التمر.

لقد ظللنا نكثر من شرب ماء زمزم دهابا وايابا.. انه ولع النفوس العطشى الى كل شي منك سوى الماء..الى نظرك وعنايتك.. انها كنايات النفوس ورموزها لملامستك ولقائك في ارتشاف الماء والتعلق باستار كعبتك..

لقد اصبحت افكر في.. مكة الغارقة في توحيدها المعتكفة في ابديتها بين صلابة الجبال وقسوتها, مكة التي ترتسم على جبالها معالم النضال وتنتقش على صخورها صور ابي جهل والعاص وسادات قريش المفتونين بقسوتها.. تعشعش فيها اسماء مستعارة, وكنايات كاذبة لعمار وسلمان وبلال وابي ذر... يسارعون في اغلاق الدكاكين ويهرولون للصلاة عندما يرتفع صوت الاذان.. لكنهم لا يتورعون عن الغش وبيع كل ما لا ينفع.. يستاكون اسنانهم عن روائح الطعام.. لكنهم لايستاكونها عن روائح الدجل والكذب والغش... يطيلون اللحى.. لكنهم لا يطيلون التامل والتفكير. انها الازدواجية التي تصبغ العالم الاسلامي من اقصاه الى اقصاه.. غير انها تزداد كلما اقتربنا من مركز التوحيد ونقطة الانجذاب والعبودية..يغتسلون للطواف ويتوضئون للصلاة... غير انهم يبصقون في كل زاوية من زوايا البيت الحرام.. يعاهدون الله.. غير ان عرى عهودهم سرعان ما تنفك كلما ابتعدوا عن البيت الحرام..ويتحللون منها عندما يصلون بلادهم..