كلمات في دعاء عرفة (3)

قافلة الأنصار الشيخ محمد العبيدان

 

مقام الرضا لا يتنافى والدعاء:

وقد يتصور البعض أن مقتضى الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، ألا يعمد إلى الدعاء منه تعالى، والسؤال، والتوجه له، ذلك لأن الله عندما قضى لفرد ما أمراً، فمثلاً قضى لهذا الرجل أن لا يرزق الولد، أو قضى لتلك المرأة أن تبتلى بزوج شرس، أو قضى على ذلك الفرد بالمرض، وهكذا، فمقتضى الرضا بقضاء الله تعالى يستوجب ألا يعمد الإنسان إلى الدعاء أو السؤال، وذلك لأن الدعاء والطلب يتنافى والرضا بقضاء الله تعالى.

وبعبارة ثانية: إن الدعاء لا يستقيم مع كون المكلف راضياً بقضاء الله تعالى، لأنه لو كان المكلف راضياً بقضاء الله تعالى، لما أحتاج أن يدعوه وأن يسأله، فإن سؤاله إياه يعني أنه غير راض بما قسم له وقدر.

ولا يخفى عدم صحة هذه المقالة، وأنه لا يوجد أدنى تنافٍ بين الدعاء والرضا بقضاء الله تعالى، وقد ذكرت في كلمات الأعلام عدة إجابات، نقتصر على ثلاثة منها:

الأول: وهو يتركب من مقدمتين:

الأولى: لا ر يب ولا إشكال في أن الأنبياء والأوصياء، هم خير من يمثل الرضا بقضاء الله تعالى، وقدره، وأنهم يملكون تمام التسليم والانقياد له تعالى.

الثانية: مما قد شاع واشتهر، ودلت عليه الآثار والروايات، هو دعاء الأنبياء والأوصياء، بل حثهم شيعتهم ومواليهم على ذلك، وأنه السبيل للوصول للغايات ونيل الطلبات من الله تعالى، كما قد تضمنت تلك النصوص التأكيد على إلحاح الداعي على الله تعالى حين دعائه. وهكذا أيضاً ندبت الكتب السماوية، كالقرآن الكريم في غير واحدة من آياته إلى الدعاء، وبيان ما له من أثر وأهمية.

ومقتضى الجمع بين هاتين المقدمتين، يتضح أنه لا منافاة بين الدعاء وبين التسليم بقضاء الله تعالى، فكيف يأتي من يدعي أن الدعاء والطلب من الله تعالى، والتوجه له تعالى يتنافى والتسليم لله تعالى بقضائه.

الثاني: لو غضينا الطرف عما تقدم، فإنه يمكن أن يجاب ثانياً فيقال: بأن القول أن الدعاء والتوجه لله تعالى والسؤال منه، يتنافى والقضاء دعوى عهدتها على مدعيها، وذلك لأن الذي ينافي الرضا بقضاء الله تعالى هو استكراه النفس بالواردات من عند الله تعالى، ومن المعلوم أن الطلب منه سبحانه، لا يدخل تحت ذلك، فلا يكون منافياً للتسليم بالرضا، فلاحظ.

الثالث: إن الدعاء عبادة قد أمر الله سبحانه وتعالى بها غير مرة، لما فيها من إنكار القلب وعجزه وتواضعه وخشوعه وتضرعه، ولا ريب في أن تركه والإعراض عن الإتيان به يعد مخالفة لأمر الله سبحانه، ومتى كان فعل من الأفعال مخالفاً لأوامر الله سبحانه، كان ذلك الفعل المخالف مخالفاً لرضا الله تعالى، وعلى العكس تماماً، فإن فعل الدعاء طاعة لله سبحانه، وكل ما كان الفعل طاعة، فإنه يتناسب ولا ينافيه أصلاً، والنتيجة أن الدعاء توافق تماماً مع الرضا، ولا يتنافى إياه، فلاحظ.

ما يورث الرضا:

من المعلوم أن الجميع يسعى إلى أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى، خصوصاً متى ألتفت الإنسان لما للراضين بقضائه تعالى من الأجر والثواب، لكنه ربما جهل البعض كيفية الحصول على رضا الله، وكيفية نيله، والسبيل إلى ذلك، وإن شئت فقل: كيف يتحصل الإنسان على الرضا بقضاء الله تعالى؟

إن الطريق لتحصيل الرضا بقضاء الله تعالى يتم من خلال ثلاثة أمور:

الأول: العلم بالله سبحانه، يقول الإمام الصادق: إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله.

الثاني: حسن الثقة بالله، وقد ورد عن أمير المؤمنين أنه قال: أصل الرضا حسن الثقة بالله.

الثالث: اليقين، وقد جاء عن أبي الحسن علي بن أبي طالب قوله: كيف يرضى بالقضاء من لم يصدق يقينه.

درجات الرضا:

ثم إن الرضا ليس درجة واحدة، وإنما له درجات ثلاث:

الأولى: رضا العامة، ويقصد منها الرضا بالله تعالى رباً، وبسخط عبادة ما دونه، فلا يرضى بربوبية غيره، ولا بعبادة شيء سواه.

ويعتبر في تحقق هذه الدرجة والحصول عليها أن يتوفر عند الفرد ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون الله عز وجل أحب الأشياء إليه، فلا يكون هناك ما هو أحبه منه.

الثاني: أنه يكون الباري تعالى أولى الأشياء عنده بالتعظيم، فلا يوجد شيء آخر غيره تعالى أولى بالتعظيم.

الثالث: أن يكون الله تعالى عنده هو أحق الأشياء بالطاعة، فلا يتصور أن تكون طاعة لأحد سواه.

وشرائط هذه الدرجة ثلاثة:

1-تصحيح الإيمان.

2-تصحيح الإحسان.

3-تصحيح الإسلام.

الثانية: الرضا عن الله سبحانه، ونقصد من الرضا عنه تعالى أي الرضا عنه في كل ما قضى، والظاهر أن هذا هو المقصود مما تضمنته الآيات الشريفة في الحديث عن رضى المؤمنين عنه تعالى، كما في قوله تعالى:- (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه)[1] وقد ذكرت لصحة هذه الدرجة شروط ثلاثة:

الأول: استواء الحالات عند العبد، فلا يفرح بما حصل له من الأشياء التي يرغب في حصولها، ولا يحزن متى فاته شيء مما يرغب فيه، وكذا لا يساء متى أصابه مكروه، ولا يستر بحصول النعمة، والحاصل، الاستواء يعني تساوي كلا الطرفين لديه، سواء كان طرف النعمة والرخاء، أم طرف السوء والبلاء. ويستفاد هذا المعنى من النصوص الشريفة، فعن ابن أبي بعفور عن أبي عبد الله الصادق قال: عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاءً إلا كان خيراً له، وإن قرض بالمقاريض كان خيراً، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً[2].

الثاني: سقوط الخصومة مع الخلق.

الثالث: الخلاص من المسألة والإلحاح.

الثالثة: الرضا برضا الله تعالى، فلا يرى العبد لنفسه سخطاً ولا رضاً، ونقصد من الرضا برضا الله تعالى، أن يمحو الحق سبحانه وتعالى صفات العبد بصفاته، فتقوم إرادة الباري مقام إرادة العبد، ويقوم رضاه مقام رضاه، وسخطه مقام سخطه، فلا يرى العبد لنفسه رضى ولا سخطاً، بل تكون إرادته فرع إرادة الله تعالى، ورضاه فرع رضى الله عز وجل، وسخطه فرع سخط الباري سبحانه[3].

 



[1] سورة المائدة الآية رقم 119.

[2] أصول الكافي ج 2 ح 8 ص 62.

[3] مسالك السائرين، العرفان الشيعي ص 383-388.