مشاهد من مكة ( 5 )

قافلة الأنصار أحمد البقشي - « شبكة والفجر الثقافية »

بينما كنا متجهين في هذا الموسم من مكة المكرمة إلى صعيد عرفات لا حظنا أن العمال الصينيين الذين يقومون بأعمال إنشاء مشروع  قطار المشاعر ,وهو مشروع واعد و ضخم سيقلص الزحام الشديد الذي يعانيه الحجاج في التنقّل بين المشاعر , و سيقلل مقدار التلوث في  تلك المناطق .

عموما ليس القطار هو موضوعي , في الحقيقة لاحظت كما لاحظ جلّ الحجاج ,أن جميع العمال الذين يواصلون الليل بالنهار قد تركوا أعمالهم للتفرج على أولئك المسلمين الذين قدموا بأزياء غريبة ( فوطتين  بيضاوتين للرجال )  بعضهم مشاة و بعضهم في سيارات  أو باصات و تجمعوا عند ذلك الوادي , ليطلقوا صيحات لا يفهموها هؤلاء , عندها سرح بي الخيال  إلى احتمال أن أحدهم أكمل المشوار و دخل إلى مكة المكرمة ,  و شاهد طقوسنا التي نؤديها من طواف و سعي , و تلبية و غيرها ترى  , و تساءلت ترى كيف سينظر إليها ؟

بعض من فعل هذا من المستشرقين الأوروبيين الذين دخلوا إلى مكة المكرمة , وصفوا هذه  الطقوس بأنها طواف حول  جدران , بل أنّ بعضهم صوّر  تلك المشاهد عبر ريشته بمشاهد  شبيهة لعباد الأوثان في نقل غير أمين !!!

الأمر الذي يثير مشكلة التفسيرات المبنية على انطباعات دون  تفهّم   المقاصد الروحية و المعاني العميقة و المعاني الرمزية التي تشير إليها  هذه العبادات و التي تناولها عظماء الإسلام كالإمام الصادق في حديثه للشبلي .

أعتقد أن من واجبات المتخصصين بيان مثل هذه المعاني بالطريقة التي يفهمها هؤلاء و غيرهم من غير المسلمين.

 

و في تلك المعاني الروحية للحج تذكرت حوارا بين الشيخ الوائلي رحمه الله و الشاعرة السيدة  نازك الملائكة رحمهما الله :

جاء فيه للوائلي  في مشاهد صوفية محلّقة :

يا أم برّاق  و بالحــج من      أسراره ما لا يحدّ الكـــــــــلام

فهل رأيــت الله في بيته       و هل لمحت الغيث خلف الغمام

و هل تسمّعت إلى نغمة      لم تســـبِ إلا أذن المســـــــــتهام

هل ذقت صهباء حسى صفوها

                         الفارض و الخيّام و إبن الهمام

غابوا فما ذاقوه من نشوة

                           فيها فهم للآن غرقى نيام

و لامست أوتارهم فالتقت

                            أرواحهم بألف عود و جام

هذا هو الحج و ما بعده

                         أغمار ترتاد منى في زحام

تحسب أن الحج  طوف على

                            مربع  أو جولة في مقام !!

 

و جاء  في  رد السيدة نازك الملائكة :

هنأتني بالحج حجي رؤى

                       روحية و نجمة في ظلام .

و الله في قلبي تعريشة 

                      و الله نبع مغدق و ابتسام .

لا أنا ممن قدسوا صخرة

                     و لا أنا ممن جثوا للرخام   .

إني لمست في منى دفقة 

                       من مطر الله ترش الخيام .

أحسست وجه الله إغماءة

                       أغيب فيها و يغيب الزحام 

 فلا أعي إلا ذرى قمّة

                      مذاقها سعي ٌ  شذاها استلام .

صلّيت ناجيت سرت رعشة

                       في أدمعي في شفتي في العظام .

ناديت ربّ الورد إن الشذى

                         يرعاه فلاحون غرقى نيام

فالورد مجروح وألوانه

                       دم يسيل و الروابي حطام

و الوحش حزّت قدماه الربا

                       غمّس قيثارتنا في الرّغام .