نحو حج محمدي

قافلة الأنصار الشيخ مرتضى الباشا - رؤوف أون لاين
السعي بين الصفا والمروة
السعي بين الصفا والمروة
يحتل الحج مكانة متميزة في منظومة الدين الإسلامي, ويدل على ذلك عدة أدلة: من ذلك التركيز الشديد في أدعية شهر رمضان المبارك للتوفيق للحج في عامنا هذا وفي كل عام, وذلك لأن شهر رمضان المبارك ضيافة لجميع المسلمين, أما الحج فهو ضيافة خاصة لبعضهم. والإنسان يطلب من ربه تعالى أن يكرمه بهذه الضيافة الخاصة, لا سيما وأن لكل ضيف(قرى), ولكل قادم كرامة. ومن مظاهر محبة الإنسان لربه أن يحب مناجاته والحديث معه من خلال الصلاة وقراءة القرآن الكريم والدعاء ومناجاة السحر, ومن خلال الدخول في ضيافة الله تعالى وفي حرمه.
وبهذا يتضح أن العبادة بشكل عام, ومنها الحج, في نظر المحبين ليس تكليفاً يبحثون عن طرق للهروب منه أو التخلص منه, بل هو شرف يسعون إليه ويتألمون لفراقه وانقضائه.
وهكذا على الحاج أن يعيش هذه الأيام المباركة والشعائر المقدسة بروحه, ويستشعر عظمة الله تعالى ولطفه وتفضله عليه أن وفقّه لزيارة بيته الحرام, في الوقت الذي حُرم من ذلك كثيرون.
س ـ من عادة الإنسان أن يستعد لأداء العمل الذي يريد أن يقدم عليه, ما هي أهم النقاط التي يجب على الحاج الالتفات إليها قبل أدائه هذه الفريضة؟
حتى يؤتي الحج ثماره لا بد من الاستعداد المبكر له, فالحاج عليه أن يهيئ نفسه وذلك من خلال تعلم مناسك الحج وأحكامه الفقهية, وأسرار الحج وفوائده, ومعالمه, هذا مضافاً إلى تأدية حقوق الله تعالى وحقوق البشر وأهل البيت(عليهم السلام) والاشتغال في اليوم والليلة بشيء من ذكر الله تعالى.
الحاج الكريم بحاجة إلى تهيئة روحية بالاستغفار والدعاء وتلاوة القرآن الكريم وصلاة الليل, وأهم ذكر هو الانتهاء عن المعاصي والتوبة النصوح إلى الله تعالى, وهكذا يكون الحج بداية مرحلة جديدة في مسيرتنا التكاملية.
أهمية تعلم المسائل الفقهية قبل التوجه لأداء الحج :
لا يخفى أهمية تعلم الأحكام الفقهية في جميع شؤون الحياة, ومنها العبادات.
ويمكن أن نذكر فوائداً هامة لذلك:
1ـ حتى تتمكن من الإتيان بالمناسك بالطريقة الصحيحة لا بد من أن تتعلمها بشكل صحيح.
2ـ من أسباب قبول العمل صحته , والصحة مبنية على مراعاة الأحكام الفقهية.
3ـ تعلّم الأحكام من علائم اهتمام الحاج بفرضه وأحكام ربه عزّ وجلّ.
4ـ بعض الأخطاء في المناسك قد يؤدي إلى وجوب بعض الكفارات أو وجوب إعادة العمل نفسه, بل وفي بعض الصور عليه إعادة الحج كاملاً.
5ـ الحصول على الآثار المعنوية للحج متوقف على الإتيان به بشكل صحيح, فالله تعالى عندما أوجب أن تكون المناسك والعبادة بطريقة معينة ـ كوجوب الطهارة للصلاة مثلاً ـ دلّ ذلك على أن الحصول على فوائد هذه العبادة متوقف على هذه الطريقة والمنهاج المعين, فالصلاة التي تقع بدون طهارة لا يمكن أن تثمر. وكذا جميع مناسك الحج إذا لم يأت بها الحاج بالطريقة التي أرشد إليها الرسول الأكرم وأهل البيت – عليهم السلام – فلا يمكن أن تؤتي أكلها ولا يمكن أن تساهم في صقل الروح وتكاملها أو عروجها. وحتى نتعلم الطريقة الصحيحة للمناسك كما رسمها الله تعالى ورسوله وأهل البيت – عليهم السلام – يجب علينا أن نرجع إلى المراجع العظام الذي أفرغوا وسعهم في فهم ذلك وتحقيقه وتنقيحه .
س ـ ما هو دور المرشد وهل يكتفي الحاج في الاعتماد عليه أثناء أدائه لهذه الفريضة؟
يخطأ الحاج عندما يعتمد اعتماداً كلياً على مرشد الحملة ويتضح هذا من خلال عدة نقاط:
1ـ المرشد لديه عدة مهام, وهو مسؤول عن عشرات أو مئات الحجاج, وهذا يعني أن وقته ليس مخصصاً لك وحدك.
2ـ لا يمكن شرح جميع الأحكام خلال دقائق معدودة, لذا فالمرشد إنما يذكر أمهات المسائل, أما التفريعات فيوكلها إلى حين سؤال الحاج عنها.
3ـ قد تحدث بعض الأسباب التي تفصلك عن المرشد, كضياع الطريق مثلاً, وهنا عليك أن تعرف كيف تؤدي مناسكك.
لذا ننصح بدخول الدورات التمهيدية قبل الذهاب إلى الحج, كما ننصح الحاج بحمل مناسك الحج للمرجع الذي يقلّده , وعليه بالقراءة في المناسك قراءة متأنية , مضافاً إلى السؤال عما يحتاج إلى توضيح.
إذن دور المرشد في أيام الحج إنما هو تذكير الحاج بأهم النقاط , وإكمال النقص في معلوماته , وتنبيهه على نقاط قد يغفل عنها أو أخطاء قد يقع فيها . وليس دور المرشد في أيام الحج توضيح جميع المسائل الفقهية التي تحتاج إليها – لا سيما مع ملاحظة ضيق الوقت وكثرة المسائل واختلاف المراجع وزحمة الحجيج - .
الإنفاق في الحج :
يستحب كثرة الإنفاق في الحج , ولكن لا بحيث يفقد الحج روحه وجوهره , فيتحول الحج من سفر إلى الله تعالى إلى رحلة سياحية ومفاخرة بين الحملات . كما أنه من الخطأ أن يعيش الحاج عمداً حالة من البؤس والإملاق فيتضرر بدنياً , ولا يمكنه بالتالي أن يعيش الجو الروحي المناسب . فالصحيح أن يتم توفير وسائل الراحة للحاج ولكن بدون بذخ وإسراف ومفاخرة . ولذا قال الإمام الخميني- قدس سره- (فيما يتعلق بالحج والسادة العاملين في القوافل تكمن حقيقة الحج في ضرورة التعرف على معاناة الفقراء والمساكين والاصطباغ بصبغتهم, وإذا ذهب بكم التصور إلى ضرورة حصولكم في الحج على الرفاه الذي لم تعتادوا عليه حتى في منازلكم, فلا يعتبر سفركم إلى البيت الحرام حجاً, فالحج الذي أوجبه الله تعالى هو الحج الذي تتعرفون من خلاله على حياة الناس) انتهى.
كلمة أخيرة :
على الحاج أن لا يفكر في إنهاء الطواف والسعي والمناسك, بل يعيش هذه اللحظات الإيمانية, ويحلّق بروحه إلى مقام القرب الإلهي, ويطوف بروحه مع الملائكة حول البيت المعمور, وأن يتقن دروس التوحيد والانقياد التام لأوامر الله تعالى من إبراهيم الخليل (عليه السلام) , ويستنشق أنفاس الإمام الغائب – عجّل الله فرجه – وأنفاس الأوتاد والأولياء في عرفات والمشعر ومنى , ليرجع من الحج بزخم من المعنويات , وبروح مفعمة بالإيمان وذكر الرحمن