جديد : 40 درة في الحج للشيخ الكاظمي

قافلة الأنصار السراج في الطريق إلى الله

1- للحج أمير!..
كما أن لليلة القدر صاحبا تتنزل عليه الملائكة، كذلك للحج صاحب وأمير؛ الذي بيمن دعائه، وببركة وجوده، يُبارك الله في زوار بيته العتيق.. إن بعض الناس من ديدنهم أنهم لا يتحملون البقاء في أوطانهم عندما يقترب موسم الحج؛ فكيف بصاحب الأمر (عج) أليس هو أولى بذلك؟.. لذا يجب على كل مؤمن أن يكثر من الدعاء له بالفرج، إذا جاءته حالة من الرقة في أي موقف من مواقف الحج، أو في روضة النبي .

2- انتظار الجائزة!..
إن السعي من الشعائر الإلهية، حيث قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ.. فالساعي بين الصفا والمروة، شأنه شأن إنسان دخل على السلطان، فذكر حاجته عند الحجر الأسود، وعند الميزاب، وفي حِجر إسماعيل، وخلف مقام إبراهيم.. ثم أخذ يمشي ذهاباً وإياباً بين الصفا والمروة، وكأنه ينتظر الإجابة.. ولسان حاله يقول: يا رب، أنا أنتظر الجائزة!.. وما زلت في بيتك، لقد أديت الطواف، وصليت ركعتين، وناجيتك عند باب البيت، ألا من نظرة كريمة!..

3- تغيير استراتيجية الوجود!..
إن التفكير في الشعائر التي تؤدى في موسم الحج، المستوحاة من القصة الإبراهيمية الخالدة المرتبطة به وبزوجته (هاجر) وبولده (اسماعيل) ؛ لهو من موجبات الاعتبار، ودافعاً للتغيير الإستراتيجي في وجود الإنسان.. فالذي يعمل لغير الله عز وجل، ليعلم أن عمله أبتر.. فكما أن كل عمل لا يبدأ بـ "بسم الله" هو أبتر؛ كذلك فإن الأعمال الكبرى إذا لم تكن خالصة لله عز وجل؛ فهي منقطعة.. فمثلا: إن عمل إبراهيم ، رغم أنه كان عملاً بسيطاً، إلا أن رب العالمين قد أحيا ذكره.. حيث نرى إن ذكر إبراهيم في معالم الحج أكثر من ذكر نبينا .

4- حج الله!..
إن هناك تعبيرا شائعا بالنسبة إلى الحج وهو: زيارة بيت الله، أو زيارة الكعبة، أو حج بيت الله الحرام؛ وهذا هو التعبير الشائع الذي يناسب حج العوام، ولكن هذا لا ينافي أن نكتسب تعبيراً آخراً يكون أكثر دلالة، وهو:
(حج الله)..
الحج في اللغة هو: القصد.. يقال: حج فلان إلى ذلك المكان، أي قصده.. وحج البيت، أي قصد البيت.. ولكن من الواضح أن ما هو أرقى من حج البيت، هو قصد رب العزة والجلال صاحب البيت.

5- الاستجداء!..
لقد
أمرنا أن نفر إلى الله عز وجل، كما في الآية الكريمة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، لماذا لا نجعل عملية الحج فراراً إلى الله سبحانه وتعالى؟.. إنه لمن المناسب للإنسان عندما يذهب إلى بيت الله الحرام، أن يتعلق بأستار الكعبة، كتعلق إنسان بأذيال كريم، يعيش حالة الفقير المستجدي.. فعندما يهم الكريم بالذهاب معرضاً عن الفقير
، ولا يقضي له حاجة؛ ألا يتشبث بثوبه، مستكيناً وجلاً؟.. وكذلك الإنسان عند الكعبة عليه أن يتشبث بأستارها، مظهراً ذلته وعجزه بين يدي الله عز وجل.

6- دعوة الكريم!..
إن مجرد التوفيق لزيارة بيت الله الحرام، هو دعوة من الله -عز وجل- لعبده، وفيه
كاشفية عن محبته له.. وحاشا للكريم أن يدعو الضيف ثم يرده خائباً!
..

7- الادخار!..
إن البعض قد يحرم من التمتع بالحج، بسبب الظروف
المادية، ولو أنه ادخر ما يسرف به طوال العام، لأمكنه أن يذهب للحج الواجب والمستحب.. يقول الإمام الصادق في حديث طريف: (إن استطعت أن تأكل الخبز والملح، وتحج في كل سنة؛ فافعل).. فإن كل مؤمن مأمور أن يدخر شيئاً من ماله
، حتى يوفق للحج.. فلو وفر أمواله، وأكل الخفيف، وصرف الخفيف؛ لما حرم هذه البركات في كل عام.. ولعل في بعض الحالات طقم أثاث يشتريه الإنسان، أو قطعة ذهب تشتريها المرأة، تساوي حجة لبيت الله الحرام.. وشتان بين قطعة من الأثاث يجعلها الإنسان محبوسة في زاوية شقته، وبين سفر إلى وفادة أكرم الأكرمين!..

8- محور الشريعة!..
إن
من أسرار الحج: العدد سبعة..
فالملاحظ أن السبعة عدد متكرر.. فالطواف سبع مرات، كذلك السعي سبعة أشواط، والرمي بسبع حصيات.. لماذا التأكيد على هذا العدد؟.. لماذا خلق الله -عز وجل- السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً؟.. العلم عنده سبحانه وتعالى، وهذه من الأسرار التي لا نعلمها.. وكذلك من الطريف أن الإنسان عندما يطوف حول البيت، يطوف عكس اتجاه عقارب الساعة، يطوف وقلبه جهة البيت.. وكأنه يريد أن يقول: يا رب!.. أطوف حول البيت بقلبي الصنوبري الظاهري، وبقلبي الباطني.. قلبي معك!.. قلبي يطوف حول بيتك في مكة،
وفي المدينة، وخارج الحرمين، أين ما كنت جعلت قلبي يطوف حول محور شريعتك ودينك!.

9- خصوصية المعصوم!..
إن المؤمن يدخل البقيع متأدبا، لا ينظر إلى هذه الحجارة المتناثرة، بل لينظر إلى أرواحهم الصاعدة عند المليك في المحل الأعلى.. فإن أرواحهم واحدة، وطينتهم واحدة، ولا فرق بين مشاهدهم.. حيث أن هنالك ملائكة تهبط من السماء إلى الأرض، وتعرج من قبورهم إلى السماء.. وهذه خصوصية لكل معصوم، سواء كان قبره مشيداً، أو كان قبره غير مشيد.

10- القاصد لله عز وجل!..
الحج لغة: عبارة عن القصد؛ فالحاج يقصد بيت الله الحرام.. والإنسان الذي فاته الذهاب إلى بيت الله الحرام، ما فاته قصد رب العالمين، وقصد الوصول إليه.. إذ أن الإنسان المؤمن في حج وطواف دائم، في كل حركاته وسكناته هو يريد المولى عز وجل.. ولعل البعض يذهب إلى الحج، ويرجع وهو لم يزر صاحب البيت؛ لأنه لم يقصده ولم يتفاعل معه.. فإذن، إذا تفاعل الإنسان مع صاحب البيت -حتى لو كان في أدغال أفريقيا!- فهو قاصد لله عز وجل، وهو الحاج حقيقة.. هنالك عبارة مخيفة جداً لأئمتنا يقولون فيها:
(ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج)!..

11- المواجهة السلبية!..
إن رمي الجمرات هو من دروس المواجهة السلبية، من المعلوم بأن (لا إله إلا الله ) فيه شقان: الإثبات، والنفي.. ونحن في الصلاة نحقق الجانب الأول بالموالاة، وإظهار العبودية لله الواحد القهار.. أما في رمي الجمرات، فنحقق الشق السلبي، بنفي كل إله سوى الله عز وجل.. ومما لا شك فيه أن الشيطان هو مظهر الشر على هذه الأرض، وكل الفتن في هذه الدنيا: النساء، والمال، والجاه.. بتسويل منه أليس هو القائل: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ.. وهو الذي لم يكتفِ بموقف من المواقف، بل حاول ثلاث مرات -مع إبراهيم، وهاجر، وإسماعيل- أن يصد عن السبيل.. ومن هنا ينبغي الحذر من الشيطان، الذي قد يتعرض للإنسان في جوانب عدة؛ فإن أخفق في جانب، يأتيه من جانب آخر.. وقد قيل: أن
آخر ما يخرج من قلوب الصديقين هو حب الرئاسة!..

12- الخروج من الضيافة الإلهية!..
إن بعض أنواع الحرمان من الموائد المعنوية، هو حرمان طبيعي؛ نظراً للخروج من الضيافة الإلهية؛ وبالتالي ارتفاع المائدة.. ولكن أيضاً قد يكون الأمر عقوبة للإنسان الذي يكفر بهذه النعمة الإلهية، ولا يوقرها في شهر رمضان، أو في الحج.. حيث يكون ضيف الرحمن، ثم يبادر بالفحش في القول والخوض في الأباطيل!..

13- إيصال الماء إلى الجذور!..
إن
العواطف سريعة التبخر.. هي بمثابة المياه، التي تصب حول النبات، فإذا لم يصل إلى الجذور؛ فإن النبات لا يستفيد من المياه التي تصل إليه، إذ لابد من إيصال الماء إلى الجذور.. وظاهر الإنسان هو: قلبه، وعواطفه.. أما الجذور، فهي عبارة عن ذلك الرسول الباطني.. إن لله حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة.. الحجة الظاهرة: متمثلة في الأنبياء والرسل.. والحجة الباطنة: هو ذلك العقل الذي أودع في الإنسان.. في أيام العزاء باعتبار القلب متحرك، فإن العين تدمع.. وهنالك مظاهر حزن حتى على ظاهر البدن، فالإنسان يلبس السواد مثلاً.. كل هذه الأجواء أجواء مرطبة ومهيأة لتلقي الفكرة، ورب العالمين استعمل هذه السياسة في موسم الحج.. في الحج هنالك معانٍ توحيدية، وهنالك حركات شعورية.. في يوم عرفة الإنسان يرطب وجوده الباطني، من خلال الدعاء والالتجاء إلى الله -عز وجل-.. ولكن رمي الجمرات هو مظهر البراءة، والطواف حول البيت هو مظهر التوحيد.. هذه المعاني الفكرية، تتمازج مع المعاني الباطنية.

14- اللقاء الإجباري!..
إن الذي يريد أن يذهب للحج، عليه أن يعلم أن هنالك لقاء، وقاعة اللقاء هي عبارة عن المسجد الحرام، وهذا اللقاء -شئنا أم أبينا- حاصل، وقد يكون لقاءً حاراً، وقد يكون لقاءً بارداً، وقد لا يكون هناك التفات لهذا اللقاء.. أي أن رب العزة والجلال يلتقي العبد، ولكن العبد قد لا يلتقي الله.. هنالك عموم وخصوص مطلق، كلما التقى العبد مع الله، التقى الله -تعالى- معه؛ ولكن ليس كلما التقى الله -تعالى- مع العبد، أيضاً التقى العبد معه..

15- الاستعداد للقاء!..
لابد أن يلتفت الإنسان إلى أن الحج عبارة عن عملية لقاء لرب العالمين، وهذا اللقاء لقاء شريف، ولقاء عظيم، ولقاء جبار السماوات والأرض، ولا يتم دفعة واحدة.. لو أن إنساناً كان لاهياً، وكان ساهياً، ووصل للمدينة كذلك، ووصل إلى مكة كذلك، وكان خارج المسجد الحرام كذلك، ودخل المساحة الأولى -منطقة الأعمدة في المسجد الحرام- أيضاً كذلك؛ فليس من المعقول عندما يدخل المسجد الحرام أن ينقلب رأساً على عقب.. قد تنتابه حالة شعورية من مواجهة الكعبة، ولكن هذه الحالة الشعورية سرعان ما تنتهي، ليعيش حالة من الذهول، وحالة من عدم الالتفات الواعي.. وبالتالي، فإنه لابد من الاستعداد لهذا اللقاء.. ومادام اللقاء لقاء مهما وعظميا، فبنفس النسبة أيضاً يكون الاستعداد والتهيؤ عظيماً.

16- واقع العبودية!..
إن أول وظيفة من وظائف الإنسان الذي يلتقي مع الله سبحانه وتعالى: أن يكون على مستوى اللقاء.. فإن هذا اللقاء لقاء بين العبد وربه، ومن هنا وجب أن يعيش الإنسان واقع العبودية بمعناها الواسع.. ومن المعلوم أن العبودية معنى شعوري، ومعنى سلوكي.. قد يكون الإنسان من حيث السلوك عبدا؛ أي أن تكليفه منطبق مع ما أمر الله عز وجل، ولكنه لا يعيش حالة العبودية.. مثلا: في عالم التقليد يذكر المراجع أنه: إذا قضى الإنسان مدة من حياته لم يقلد، ولكن أعماله كانت مطابقة لفتاوى مرجع التقليد، يقال: أن عمله صحيح، ولكن لا يقال: أنه كان مقلِداً.. فأعماله طابقت فتاوى ذلك المرجع، ولكن التقليد لم يكن.. وكذلك فالإنسان قد يكون في مقام العمل في مقام عبد، ولكن في مقام الشعور قد لا يعيش هذه الحالة من العبودية.

17- الإحساس بالعبودية!..
إن من الأشياء التي يتهيأ فيها الإنسان ليس للحج فقط، هو الإحساس بالعبودية، حتى تتم المسانخة مع الله سبحانه وتعالى.. وقد ورد في مصباح الشريعة عن الإمام الصادق -هذا الحديث الذي حير العلماء في تفسيره-:
(العبودية جوهرة، كنهها الربوبية).

18- الوفادة المقدرة!..
إن الإنسان عليه أن يعلم أن الحج وفادة مقدرة ومكتوبة،
قال تعالى مخاطباً للنبي إبراهيم : ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ..
ويقال أنه بتعداد تلبية الناس في عالم الأرواح للنداء كتبت لهم الحجج: فالذي لبى مرتين، أو أربع، أو خمس مرات؛ فبعدد التلبية يوفق إلى زيارة بيت الله الحرام.. البيت بيت الله، والحرم حرم الله، والله -عز وجل- لا يدخل حرمه إلا من له نصيب، ومن له نظر إليه.. وليس معنى ذلك أن الذي يتخلف عن ركب الحجاج، إنسان غير منظور إليه.

19- دخول القاعة!..
ما من شك أن الذي يوفق للحج، هنالك نظرة خاصة بالنسبة إليه.. ومن هنا عليه أن يعلم أنه مرشح لمرتبة؛ فأصل الذهاب ترشيح.. ولكن هنالك نعماً أخرى متوقفة على جهده وسعيه.. فالقاعة كبيرة، ولو أنه وفق ودخل هذه القاعة، ولكن القاعة فيها مواقع: مواقع بعيدة عن السلطان، ومواقع قريبة منه.. الإنسان الذي يوفق للذهاب إلى تلك الأماكن المباركة، عليه أن يعلم أن هنالك دعوة أولية، ولكن لا يكتفي بهذه الدعوة، ولا يمني نفسه أنه مدعو، وبالتالي فإن الأمور ميسرة، والضيافة والوليمة جاهزة.. نعم، هنالك ضيافة ووليمة، ولكن الوليمة لها درجات، والضيافة لها درجات.. لم لا نسعى لحيازة أعلى درجات الضيافة؟..

20- الأوسمة الدائمة!..
إن
من آثار الضيافة الكاملة، أن يرجع الإنسان إلى وطنه بضيافة لا تفارقه.. فالسلاطين عادةً لهم ضيافة، وبعد انتهاء الضيافة يعلقون بعض الأوسمة على صدور الجالسين في تلك القاعة.. فالضيافة تنتهي، ولكن الأوسمة لا تنتهي.. وهذا الإنسان الذي حظي بوسام السلطان، قد يحتفظ بهذا الوسام عشرات السنين، لأنه ذكرى لقائه بذلك السلطان.. فعامة الناس يأنسون بالطعام والشراب، ولكن هذا الإنسان الذي يهوى قرب السلطان؛ يفكر في تلك الأوسمة الثابتة.. فالحجاج: إما لا يعطون أوسمة، أي يُكتفى بالطعام والشراب.. أو يمنحون أوسمة مؤقتة، أي أنهم يعطون أوسمة، ولكنها تسلب منهم بعد الرجوع إلى أوطانهم.. فإذن، هذا أيضاً من الأشياء التي يفكر فيها الذي يقصد زيارة بيت الله الحرام.

21- الإحرام الواقعي!..
إنه
ينبغي للإنسان عندما يلبي في الميقات، أن يناجي الله عز وجل، ويطلب منه التسديد والمباركة.. وأفضل دعاء في ذلك الموقف، أن يطلب العبد من ربه أن يكون في حرمه إلى الأبد.. أن لا يخرج من الحرم، برمي الجمرات في اليوم الثاني عشر.. أن لا يخرج من الإحرام، بمجرد أدائه لطواف النساء.. يطلب من رب العزة والجلال، أن يجعله في حرمه دائماً، وأن لا يخرجه من حالة الإحرام.. الحاج المحرم ضيف الله مادام محرماً.. ليقل: يا رب!.. لئن نزعت ثياب الإحرام -الثياب الظاهرية-، فلا تنزع مني ثوب الإحرام الواقعي.. وثوب الإحرام الواقعي هو ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ..
ثياب الإحرام تنزع، ولكن هل ثوب التقوى ينزع؟.. إذا نزعنا ثوب التقوى، فماذا بعد الحق إلا الضلال!.. فإذن، الملبي في الحج والعمرة يعاهد ربه، على أن يكون عبداً ملبياً، لا على صعيد مكة وعرفة، ولا في شهر ذي الحجة، وإنما إلى آخر حياته.

22- الراجل والراكب!..
إننا نعتقد أنه لا فرق بين النبي حياً وميتاً، إلا كالفرق بين الراجل والراكب.. لو أن إنساناً يسوق دابته ثم يترجل، هل يقال: هذا غير ذاك، أم هو هو، ولكن كان راكباً فترجل؟.. النبي كان مع بدنه في هذه الحياة، وبدن النبي دابته، وإن كان دابة شريفة، وبعد وفاة النبي تبقى روحه مسيطرة ومهيمنة، وتنظر إلى حركات الحجاج وقاصديه وسكناتهم.. فإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا هذا الاستئذان في المشاهد المشرفة؟.. حيث يطلب من الزائر أن يقف عند الباب، ويطلب الاستئذان.. وفي معظم زيارات المعصومين، هنالك مراحل متدرجة في الزيارة.. معنى ذلك أن هنالك من ينظر ويسمع ويرى، وما يقوله الزائر في هذه العبارة المذكورة في زيارات الأئمة ، يشير إلى تلك الحقيقة:
(اللّهم!.. إني أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته، كما أعتقدها في حضرته.. وأعلم أن رسولك وخلفاءك أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي، ويسمعون كلامي، ويردّون سلامي.. وأنك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم...).

23- رفع الحجب!..
ينبغي للذي يزور النبي أن يعيش هذا المعنى في الزيارة، أي أن ينوي زيارته حقيقة وواقعاً.. ومن المناسب أن يجلس الإنسان أمام قبر النبي في الروضة جلسة تأملية، ويبالغ في الاستمداد من النبي .. فإنه كما هو معلوم في عالم العرفان والفلسفة، أن هنالك المعرفة الاكتسابية النظرية، التي يحصلها الإنسان من خلال الكتب والمحاضرات.. وكذلك هنالك المعرفة الإشراقية.. ولهذا أصحاب الفلسفة قسمان: مشائيون، وإشراقيون.. بعض الأوقات الإنسان بالإشراقة، وبالنظرة، تفتح له بعض العوالم.. فإذا لم يتصرف النبي في مشاعر الإنسان، ولم يزده علماً.. فيكفي أن يزيل عنه موانع الفهم، فإن ذلك من النعم العظيمة.. لو أن إنساناً له عين، وفيها رمد، فالذي يريد أن يتفضل عليه يشفيه من الرمد، ويزيل عنه الحجاب؛ وبذلك يكون قد أعانه على الرؤية.. هو لم يعطه عيناً، ولكنه أزال عن عينه الحجاب.. والنبي يعطي العين، ويفتح آفاقا جديدة في قلب الإنسان.. وعلى أقل التقادير يرفع عنه الحجاب، ويرفع عنه موانع الرؤية.. أليست نعمة عظيمة، أن ترفع الحجب عن الإنسان؟..

24- المغفرة الإلهية!..
إن بعض الحجب قد تكون مجموعة ذنوب متراكمة، والنبي عندما يستغفر له، فإنه كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا، يحظى بالمغفرة الإلهية.. فإذا غفرت ذنوبه في محضر النبي ، فقد ارتفعت عنه أعظم الحجب.. وهي أمنية الأماني التي تأرق الإنسان، وتشغل باله، ويدعو ربه لذلك، كما نلاحظ في دعاء كميل حيث يعدد الذنوب طلباً للمغفرة:
(اَللّهُمَّ !.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ.. اَللّـهُمَّ !.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ.. اَللّهُمَّ !.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ.. اَللّـهُمَّ !.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ.. اَللّـهُمَّ !.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ.. اَللّهُمَّ !.. اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتُها..).

25- وسط بين مرحلتين!..
عندما يلبس الإنسان ثوبي الإحرام، فليتذكر الشبه الشديد بين ثيابٍ ثلاثٍ بيض.. حيث أن الإنسان له عهد بثلاثة أنواع من الثياب، في ثلاثة مراحل من حياته: عندما يلد الطفل، فإنه يلف في الثوب كما يلف المحرم.. وكذلك الميت، حيث يلف في لباس الكفن.. فلباس الإحرام يذكرنا بساعة الولادة، ويذكرنا أيضاً بساعة الممات؛ أي أن الإنسان في حال الإحرام، يتذكر البداية ويتذكر النهاية.. فإذن، هو في حال الإحرام وسط بين مرحلتين: بين مرحلة الطفولة البريئة، وبين مرحلة الموت والانتقال إلى العالم الآخر.. وتذكرنا هذه القضية بهذه العبارة:
قم واغتنم الفرصة بين العدمين!..
أي أنت الآن لست وليداً: لا حول لك ولا قوة.. وأنت الآن في الميقات لست ميتاً، أنت برزخ بين الأمرين.. لا أنت وليد، مرفوع عنك القلم.. ولا أنت ميت، مرفوع عنك القلم.. أنت الآن حي ترزق، فاستأنف العمل، بعد أن علمت أن الحاج يرجع من الحج كيوم ولدته أمه، فاغتنم الفرصة بين العدمين!..

26- الاغتسال عملية رمزية!..
إن الاغتسال عملية رمزية ليقول العبد بلسان حاله: يارب!.. طهرت ظاهري بما أمكن من الماء القراح، فطهر باطني بماء التوبة الخالصة مصداقا لقولك:
﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا.. إذ أن توبة عبدك بين توبتين منك!.. ومن الملفت حقا أن العبد مأمور في الحج بأغسال عديدة منها: عند الإحرام والميقات، ودخول الحرم، ودخول المسجد الحرام.. وكأنه يريد بذلك أن
يجدد توبة بعد توبة، ليلتقي أخيرا بمحبوبه خاليا من كل درن.

27- التلبية!..
عندما تلبي في الميقات مرة أو أكثر من مرة، حاول أن تتذكر كم من المرات قلت: لبيك!.. للعباد الصالحين منهم وغير الصالحين!.. أولا يكفي هذا التذكر أن تلبي في الميقات، وأنت خجل من كيفية تلبيتك لله رب العالمين؟!.. فلطالما لبيت نداء الآخرين بكل طواعية وإخلاص، وها أنت تلبي فى الميقات حريصا على أداء مخارج الحروف فحسب، من دون التفات إلى جوهر التلبية!.. فعلى العبد أن يخشى من أن يأتيه النداء عند التلبية من قبل الرب المتعال قائلا: لا لبيك ولا سعديك!.. وهذا الذي كان يجري مدامع المعصومين عندما كانوا يقفون في الميقات؛ ملبين برهبة ووجل.

28- المعية الدائمة!..
إذا انتابت الإنسان حالة الرقة الشديدة في طواف، أو في عرفة، أو ...الخ؛ ليطلب من الله -عز وجل- المعية الدائمة.. فإن ثمرة الحج، بل ثمرة الحياة، وثمرة الطاعات، هو: الإحساس بالقرب الدائم.. هنيئاً لمن يعيش مشاعر الطواف وهو في وطنه!.. ليس بنفس الشدة، ولكن بشكل مقارب.. هنيئاً لمن يعيش شيئاً من مشاعر يوم عرفة بشكل دائم!.. إذا وجدت المعية مع العبد، فإن الحياة تكتسب حلاوة جديدة، ليس فيها وحشة، ولا غربة، ما الفرق بين الوطن وغير الوطن؟!.. ما الفرق بين البيت الخالي، وبين البيت الذي فيه أحد، إذا كان الإنسان يعيش المعية الإلهية؟!.. إذا كان يعيش حالة الوحشة، فهذه فضيحة!.. معنى ذلك أنه ما عاش المعية، وجعله أهون المراقبين، وأهون الناظرين!.. لو كان يعيش المعية، لما كان وجود بني آدم وعدم وجودهم، له دور كبير في مشاعره، أنساً ووحشةً.

29- التجرد من كل شيء!..
إن الإنسان في الميقات يتجرد عن كل المظاهر التي أكسبته وجاهة صورية لا واقع لها إلا الوهم والخيال، وذلك من أشكال الزينة في المظهر، والملبس.. أوليس من الحري بالحاج أن يتجرد بموازاة ذلك عن كل أشكال الوهم والخيال الفاسد في الباطن؛ كالخيلاء والعجب والرياء، والذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وكذلك العبد الذي جعله الله -تعالى- بصيرا على نفسه ولو ألقى معاذيره.

30- مخالفة الهوى!..
إن تروك الإحرام تعليم للعبد على مخالفة هوى نفسه، وما هو المألوف في حياته كـ: التطيب، والتدهين، والاستمتاع بالنساء، والتوقي من حرارة الشمس، ودفع هوام البدن وغير ذلك.. ومن المعلوم أن الطريق الى الله -عز وجل- لا يسلكه العبد إلا بمخالفة مقتضيات طبعه، والخروج عن مألوف عامة الخلق.

31- الفرار إلى الله عز وجل!..
إن من مصاديق الفرار إلى الله تعالى فى قوله تعالى:
﴿ففروا إلى الله هى الحركة الباطنية إليه، ولكن الحج حركة ظاهرية للفرار أيضا.. فإذا دخلت المسجد الحرام فتصور نفسك أنك عبد آبق ارتمى في أحضان مولاه داخل بيته، وخاصة عند الدخول الأول، وخاصة في الحجة الأولى؛ فإنها مشاعر لا تتكرر في أي بقعة من بقاع الأرض.. وعلى الحاج أن يعيش مشاعر متنوعة عندما يدخل المسجد الحرام.. منها: الإحساس بأن هذا بيت ربه الودود، ومنها أنه بيت أبيه، إذ جعل القرآن الكريم إبراهيم أبا لهذه الأمة، حيث قال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم، ومنها أنه بيت الأمن والأمان حيث قال تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا، ومنها أنه بيت الحرية حيث أنه البيت العتيق، ومنها أنه بيت البركة حيث قال تعالى:
﴿ببكة مباركا.

32- الإكرام الخاص!..
من المعروف -وإن لم يكن من المأثور- أن للحاج في الحجة الأولى دعوات مستجابة.. وهذا الأمر ليس بغريب، إذ أن للضيف في أول ساعات الضيافة إكراما خاصا، لا يتكرر في الزيارات المقبلة، وذلك لأن عدم قيامه بلوازم الأدب في بيت المضيف في السفرات السابقة، قد يحرمه بعض العطاء في الزيارات اللاحقة.. بينما الضيف في زيارته الأولى، لم يرتكب أي تقصير في هذا المجال.

33- ضيوف الله عز وجل!..
إن الحاج ينظر إلى من حوله من حجاج بيت الله الحرام على أنهم ضيوف رب العالمين، والله -تعالى- سريع الانتقام لمن يخل بحقوق ضيوفه، مهما كانت عناوينهم السابقة من حيث المعصية.. إذ أن الحاج عندما يأتي للبيت العتيق يتجرد عن كل سوابقه، ليكتسب حصانة في تلك الديار الآمنة.. فلا تنظر إلى الحاج بمنظار الصداقة والقرابة، وإنما بمنظار الوفادة على الله تعالى.

34- الاشتغال عن وظائف العبودية!..
إن الهدية سنة حسنة، لو التزم بها وفاد بيته الحرام.. ولكن ليحذر الحاج من الإسراف والتبذير، والمباهاة في هذا المجال.. ولا ينبغي أن تكون هذه السنة المحبوبة لمولاه، شاغلة له عن وظائف العبودية في تلك اللحظات الحاسمة.. وكم من القبيح أن يشتغل العبد بذلك، والمنادي ينادي
(حي على الفلاح)!..
وهو في بلد الصلاح والفلاح!..

35- المسلم مأمون الجانب!..
إن الحاج ممنوع من حمل السلاح في حال الاحرام، لئلا يكون وجوده وجودا مهيبا باعثا على الذعر والخوف.. ولكن البعض قد لا يحمل السلاح لا في الحج ولا في الوطن، ولكنه يبعث الذعر في النفوس -وخاصة في المستضعفين حوله من الأهل والولد- بتقاسيم وجهه، ونبرات صوته، والحال أن المسلم، من سلم المسلمون من يده ولسانه.

36- المقدر والممنوح!..
كما أن المال منه رزق مقدر من الله -تعالى- كعطاء خاص منه، ومنه مال ممنوح للعبد على حسب مقتضيات قواعد الكسب والتحصيل، وكذلك الحج: فمنه حج عطائي بدعوة خاصة من مالك المالك، ومنه حج يتحقق ببذل شيء من المال لأصحاب قوافل الحج، من دون أن يكون هناك نظرة خاصة لصاحب تلك الديار إليه!..

37- ولوه الحمام!..
إن من التعابير الرائعة عن الحج، ما ورد عن علي -عليه السلام- كما في نهج البلاغة:
(يألهون إليه ولوه الحمام)..
أرأيت أسراب الحمام الظامئة، وهي تحط بجانب الغدير؟.. فكم يكون حرصها على التزود منها قبل أن تطير إلى القاحل من البقاع؟.. فعلى الحاج أن يرى نفسه كمثل هذا الحمام، الذي ساقه العطش إلى غدير الحرمين الشريفين، ليرجع بزاد العام كله، فهل كل الحجاج كذلك؟..

38- الإخلاص!..
إن إخلاص النية في العمل من مقومات القبول في فروع الدين جميعها.. إذ كيف يزكي رب العالمين ما لم يقصد وجهه الكريم؟.. أوليس من الخسران أن يشد أحدهم الرحال إلى ذلك البيت العتيق متجشما عناء الطريق، ليفوز بمتاع رخيص من متاع الحياة الدنيا؟!.. فقد روي عن السجاد أنه قال:
(من حج يريد به وجه الله، لا يريد به رياءً ولا سمعة؛ غفر الله له البتة).. ولكن ما أصعب مقياس القبول حيث فسر بأنه (العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل)..
وما أصعبه من مقياس!..

39- درس الطواف!..
إن الطواف درس بليغ من دروس الحياة، ففيه: حركة دائبة، وفيه اتجاه ثابت، وفيه مساحة محددة، وفيه محورية حول نقطة واحدة، وفيه معايشة ومعاشرة للخلق، وفيه ابتداء وانتهاء، وفيه صلاة متعقبة، وفيه طهارة للثوب، وفيه عدد لا ينبغي تجاوزه، وفيه شكوك مبطلة، وفيه منع للزيادة والنقيصة، وفيه اشتراط للطهارة من الحدث والخبث.. كل ذلك عناصر لابد من تواجدها في حركتنا في الحياة: سواء في تعاملنا مع الناس، أو مع الله رب العالمين.

40- تحطيم الأصنام الباطنية!..
كما أن إبراهيم الخليل أمر بتطهير البيت الحرام من الأصنام الظاهرية، فإننا مأمورون أيضا بتحطيم الأصنام الباطنية التي نتوجه إليها في الخفاء، وإن لم نعلن عبادتنا لها في الجلاء، ألا وهي الشهوات التي زينت لنا والتي ذكرها القرآن بأصنافها وأنواعها.. فلنتأمل في هذه المقولة لإمامنا الصادق التي تفتح آفاقا من المعرفة وهي:
(القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله).

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
غازي العوامي
[ أم الحمام - القطيف ]: 19 / 11 / 2008م - 3:46 ص
بحق إنها ددر ...
بل روائع ... الشيخ الجليل يعيشنا في أجواء الحج الإيمانية ...
فجزاه الله أفضل الجزاء ..
ونفعنا من فيوضاته الآلهية ...

وتقبل الله ممن حج إلى الله