الإضطرار والإكراه

قافلة الأنصار الشيخ محمد عبيدان

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ووجه له جملة من التكاليف ألزمه بالإتيان بها، كما نهاه عن جملة من الأمور، فلا يسوغ له فعل شيء منها، ويسقط هذا التكليف الإلزامي بقسميه، الفعل والترك في بعض الحالات، كحالات الاضطرار، وحالات الإكراه، فيرفع التكليف عن المضطر، كما يرفع عن المكرَه، نعم هل أن رفع التكليف شامل للحكم الوضعي والتكليفي، أم أنه يختص بخصوص الحكم التكليفي، فلا يشمل الوضعي، أم يفصل، فيقال: أن المكرَه يرفع عنه الحكم التكليفي والوضعي، دون المضطر، فإنه يرفع عنه الحكم التكليفي دون الوضعي، توضيح ذلك:

تارة يكره المحرِمُ على لبس المخيط، أو يكره على ركوب المظلل، أو ارتكاب أي واحد من محرمات الإحرام، وعندها هل يكون مأثوماً، ويجب عليه إخراج الكفارة أم لا؟

الذي عليه فقهائنا أن المكرَه واستناداً لحديث الرفع الوارد عن النبي، يرفع عنه الحكم التكليفي، وهو الإثم، كما يرفع عنه الحكم الوضعي، فلا تجب عليه الكفارة.

وتارة أخرى يضطر المحرِمُ لارتكاب بعض محرمات الإحرام، كما لو اضطر لركوب المظلل خوفاً من البرد، أو اضطر للبس المخيط خوفاً من البرد، فهنا هل يكون مأثوماً، ويجب عليه الكفارة أم لا؟...

الذي عليه فقهائنا، أن المضطر يرفع عنه الحكم التكليفي، بمقتضى حديث الرفع الوارد عن رسول الله، فلا يكون مأثوماً، لكنه لا يرتفع عنه الحكم الوضعي، فيجب عليه إخراج الكفارة حينئذٍ.

 

الفرق بين الاضطرار والإكراه :

وهذان العنوان أعني الاضطرار والإكراه يحصل الاشتباه بينهما كثيراً، فيصعب على المكلفين التفريق بينهما، وقد عرفنا حكم كل واحد منهما، لذا ينبغي بيان حقيقة كليهما:

المضطر: وهو في اللغة عبارة عن الاحتياج إلى الشيء، والإلجاء إليه[1].

 

وأما في الاصطلاح فلم يحدده الفقهاء في جميع الموارد، نعم حددوه في بحث الأطعمة والأشربة، ولهم فيه تفسيران:

الأول: ما يخاف فيه من تلف النفس.

الثاني : ما يخاف فيه من تلف النفس، أو الطرَف، أو وجود مرض، أو زيادته، أو الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع الضرورة إليهم ونحو ذلك.

وقد تطور هذا التعريف، فأضيف إليه: الخوف على نفس محترمة غير نفسه، كالحامل تخاف على الجنين، والمرضع تخاف على الرضيع.

وأما المكره: وهو في اللغة: حمل الغير على أمر وهو كاره.

اصطلاحا: ولم يخـتلف في المصطلح الفقهي عن المعنى الذي ورد في كلمات اللغويـين.

وهذا ويعتقد الكثيرون أن الإكراه ينحصر في خصوص الإجبار، مع أنه فرد من أفراده، وهو-الإجبار-أخص منه، ويمكن التفريق بينهما من خلال أن الإجبار لا يكون متضمناً قصداً عند الإقدام على الفعل المجبر عليه، كمن أجبر على لبس المخيط بأن أمسكه اثنان أو أكثر وقاموا بإلباسه إياه. أما المكره، فإن الفاعل يكون عند فعله ما أكره عليه قاصداً للفعل، كمن أكره على لبس المخيط عند دخوله لمكة، فأقدم على لبسه قاصداً ذلك دون إجبار من أحد له.

 

الاضطرار والإكراه :

ومع وضوح الفرق بين المفهومين، إلا أننا نزيد ذلك إيضاحاً :

فإنه وفقاً لما تقدم في تعريف المكره، يتضح أن الإكراه لا يكون إلا من خلال وجود مكرِه للمكرَه، كمن لبس المخيط ليتسنى له دخول مكة المكرمة، فإن إقدامه على ذلك يكون بسبب وجود من يكرهه على ذلك. وهذا يعني أن حقيقة هذا المفهوم تتوقف على وجود المكرِه.

وهذا بخلاف الاضطرار، فإنه لا يتوقف في تحقق معناه على وجود من يوقع المضطر في اضطراره. وهذا يعني أن هنا سعة في مفهومه. كما أن الاضطرار يتقوم بالاحتياجـ فما لم يكن هناك احتياج لا يكون إكراه، فلبس المحرم المخيط لدخوله مكة، لا ينطبق عليه عنوان الاحتياج، فلا يعني أنه اضطرار.

 

مقومات الإكراه :

ولكي يتضح الأمر أكثر ويزداد وضوحاً نذكر مقومات تحقق الإكراه، وهي التالي:

1-وجود المكرِه فعلاً.

2-اقتران ترك المكره عليه بالوعيد.

3-قدرة المكرِه على تنفيذ وعيده.

4-علم المكرَه بتحقق الوعيد أو الظن بتحققه من قبل المكرِه.

5-أن يكون المتوعد به من قبل المكرِه موجباً للضرر على المكرَه.

6-أن ينحصر خلاص المكرَه بفعل المكرَه عليه، فلا يكون له طريق آخر سواه يمكنه التخلص من خلاله بدون ضرر.

 

مناشئ الاضطرار:

وكما أشرنا لمقومات الإكراه، لنشر إلى مناشئ الاضطرار، والمعروف أنه ينشأ من أحد أمور أربعة :

الإكراه :

قد يضطر الإنسان إلى ارتكاب المحرم بسبب الإكراه، كما لو اكره على إظهار كلمة الكفر أو إتلاف مالٍ ونحو ذلك.

التقية :

وربما يضطر الإنسان إلى ترك واجب أو ارتكاب محرم تقية، وإن لم يقترن بالإكراه، كمن اضطر إلى ذلك بسبب وجوده بين المخالفين له في الدين أو المذهب.

الضرر :

وقد ينشأ الاضطرار من الضرر، كمن يضطر إلى ترك الصوم، أو ترك الوضوء مخافة الضرر.

الضرورة :

وهذا هو المنشأ الأخير للاضطرار، وهو الضرورة، بمعنى الحاجة الشديدة كالاضطرار إلى أكل لحم الميتة، أو لحم الخنـزير، أو مال الغير أو شرب الخمر، وكالاضطرار إلى النظر واللمس المحرّمين، ونحو ذلك.

 


------------------------------------------------------------

[1] لاحظ الصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط، مادة ضرر.